لا يحكم بالإعلان، بل بإتاحة التفكير أمام الجميع
إنه لا يمارس الحكم عبر الإعلانات والخطابات الرسمية، بل من خلال المسودات المفتوحة: ينشر مبررات قراراته في وقت مبكر، ويعرض المفاضلات والتكاليف بوضوح، ويقبل تصحيح أخطائه علنًا.
فما يُكتب في الظلام لا يمكن الوثوق به عندما يُعرض في النور.
إن الحكم المسؤول لا يطلب من المواطنين أن يصدقوا كل ما يُقال لهم، بل يمنحهم الأدوات التي تمكّنهم من فحص القرارات وفهم أسبابها ومساءلة أصحابها.
أولًا: المشكلة — السياسة بوصفها مسرحًا
صُمّم جزء كبير من الخطاب السياسي ليضع حدًا للتفكير، لا ليشجّع عليه.
فيديو مصقول، أو شعار جذّاب، أو حفل تدشين لمشروع — ثم ينتهي المشهد، ويبقى المواطن أمام التصفيق، من دون أن يمتلك وسيلة حقيقية لفحص ما سمعه أو تقييم ما وُعد به.
فالشعار لا يمكن إخضاعه للتحقّق. والخطاب لا يمكن تطويره بصورة مستقلة انطلاقًا من تفاصيله. والوعد الذي لا يُدوَّن بأرقام ومعايير واضحة لا يمكن اختباره بصورة موضوعية.
وعندما تتحوّل السياسة إلى عرض متكرر، يصبح المواطن متلقيًا للرسائل بدلًا من أن يكون مشاركًا في فحص القرارات وصياغة السياسات العامة.
لقد شاهد صاحب هذه الأطروحة الإخفاق نفسه في الأنظمة المغلقة التي تفتقر إلى الشفافية.
فريق تقني يعرض فقط السيناريوهات الناجحة، ويخفي سجلات الأخطاء، ويطلق منتجه دون خطة للتراجع عن التحديثات الفاشلة، سينتهي به الأمر عاجلًا أم آجلًا إلى فقدان ثقة مستخدميه.
ولا يكون الحل الحقيقي في تحسين التسويق أو إنتاج عروض أكثر إقناعًا، بل في العمل بشفافية أمام الجميع.
ويعني ذلك اعتماد ممارسات واضحة، من بينها:
- خارطة طريق منشورة: يستطيع الجمهور الاطلاع على الأهداف والمراحل والالتزامات المعلنة.
- تقارير صادقة عن الحوادث والإخفاقات: توضح ما حدث، وأسبابه، وتأثيره، والإجراءات المتخذة لمعالجته.
- سجل تغييرات متاح للجميع: يبيّن ما تغيّر، ومتى تغيّر، وما الأسباب التي دفعت إلى ذلك.
ويمكن تطبيق المنطق نفسه على العمل السياسي والإدارة العامة: بدلًا من إخفاء الإخفاقات خلف الخطابات، ينبغي إظهار المشكلات، وتوثيق القرارات، وشرح التصحيحات، وإتاحة المعلومات التي تسمح للجمهور بفهم ما يجري.
فالشفافية ليست مجرد صورة جيدة أمام الجمهور؛ إنها أسلوب عمل يجعل القرارات قابلة للفحص والمساءلة.
ثانيًا: المبدأ — التفكير حق من حقوق الجمهور
يعني مبدأ «التفكير إلى جانب المواطنين» اعتماد ثلاث ممارسات أساسية، لا يجري التخلي عنها بحسب الظروف أو المصالح السياسية.
1. صياغة المسودات علنًا
قبل اعتماد قانون، أو إقرار بند في الميزانية، أو إتمام عملية شراء أو صفقة عمومية، ينبغي نشر المسودة والبيانات ذات الصلة والآراء المخالفة.
والهدف هو إتاحة الفرصة للاطلاع على المقترحات قبل أن تتحول إلى قرارات نهائية، وفهم المبررات التي تستند إليها، ومناقشة آثارها المحتملة.
فلا ينبغي أن يكون أول ظهور لقرار عام أمام المواطنين هو لحظة الإعلان عن اعتماده، بعد أن تكون جميع الخيارات قد حُسمت بالفعل.
بل يجب أن تكون عملية إعداد القرار نفسها قابلة للفهم والمراجعة، ضمن الحدود التي يفرضها القانون وحماية المعلومات التي لا يجوز نشرها.
2. اتخاذ القرارات بلغة واضحة ومفهومة
يجب أن تكون وثائق القرارات سهلة الفهم، وألا تُدفن المعلومات الأساسية وسط المصطلحات المعقدة أو الصياغات الإدارية المبهمة.
ويقترح هذا المنهج أن تتضمن كل مذكرة قرار ثلاثة عناصر أساسية:
- المشكلة: فقرة واحدة تشرح بوضوح المسألة التي تستدعي التدخل.
- الخيارات: صفحة واحدة تعرض البدائل المتاحة، مع توضيح الفروق بينها.
- التكلفة: جدول واحد يبيّن التكاليف ذات الصلة، بما يسمح بفهم الأعباء المالية ومقارنة الخيارات.
ليس المقصود اختزال القرارات المعقدة اختزالًا مخلًا، بل تقديم خلاصة واضحة تتيح للمواطن فهم جوهر القرار، مع إمكانية الرجوع إلى الوثائق التفصيلية والبيانات الداعمة.
فكلما كانت المبررات والخيارات والتكاليف أوضح، أصبح تقييم القرار ومساءلة المسؤولين عنه أكثر واقعية.
3. تصحيح الأخطاء علنًا
عندما تثبت الأرقام أن قرارًا أو تصريحًا سابقًا كان خاطئًا، يجب نشر التصحيح علنًا، وبمستوى من الوضوح والأهمية يماثل ما حظي به الادعاء الأصلي.
لا يكفي تعديل الوثيقة بصمت، أو تغيير الأرقام دون تفسير، أو انتظار أن يكتشف المواطنون التناقض بأنفسهم.
بل ينبغي توضيح ما كان غير صحيح، وما الذي كشفه الدليل الجديد، وما الذي تغيّر في التقييم، وما الإجراءات التي ستُتخذ بناءً على ذلك.
فالاعتراف بالخطأ ليس دليلًا على ضعف الإدارة؛ بل إن رفض الاعتراف به، رغم وجود الأدلة، هو ما يقوّض الثقة ويمنع التعلّم والتحسين. والغاية ليست الادعاء بأن المسؤولين لا يخطئون، وإنما إنشاء نظام يسمح باكتشاف الأخطاء وتصحيحها وتوثيقها ومحاسبة المسؤولين عنها عند الاقتضاء.
ثالثًا: المشاركة ليست زينة — بل تأثير يمكن تتبّعه
لا يعني التفكير إلى جانب المواطنين تنظيم مشاورات شكلية، أو فتح باب التعليقات دون أن يكون لها أي تأثير واضح في عملية اتخاذ القرار.
المشاركة الحقيقية تعني أن يكون تأثير الرأي العام قابلًا للتتبّع.
وبناءً على ذلك، يجب أن يحصل كل تعليق عام على رد يوضّح مصيره، ضمن آلية معلنة ومنظمة. ويمكن أن يأخذ الرد إحدى الصور التالية:
- قُبل: تم اعتماد المقترح كليًا أو جزئيًا، مع توضيح كيفية إدماجه في القرار.
- رُفض مع التعليل: لم يُعتمد المقترح، مع بيان الأسباب الموضوعية وراء رفضه.
- أُدرج في جدول المتابعة: لم يُحسم بشأنه بعد، مع تحديد تاريخ للمراجعة أو موعد معلن لمتابعته.
بهذه الطريقة، لا تقتصر المشاركة على إتاحة الفرصة للمواطنين للتعبير عن آرائهم، بل تمتد إلى توثيق كيفية التعامل مع تلك الآراء.
ويصبح من الممكن التمييز بين اقتراح أُخذ به، وآخر رُفض لأسباب معلنة، وثالث ما زال قيد الدراسة.
وهذا يخلق علاقة أكثر وضوحًا بين المشاركة العامة والقرار النهائي، ويحدّ من خطر تحوّل المشاورات إلى مجرد إجراء شكلي يُستخدم لإظهار الانفتاح دون تقديم تفسير حقيقي للنتائج.
رابعًا: لا تطلب من الناس أن يصدّقوك — بل سهّل عليهم التحقّق منك
يقوم هذا المنهج على تحوّل جوهري في العلاقة بين السلطة والمواطن.
فبدلًا من مطالبة الجمهور بالثقة في التصريحات الرسمية، ينبغي توفير الأدلة والمعلومات والآليات التي تمكّنه من فحص تلك التصريحات بنفسه.
وبدلًا من الاكتفاء بالإعلان عن الإنجازات، يجب إتاحة البيانات والمعايير التي تسمح بتقييمها.
وبدلًا من إخفاء الخلافات والتعديلات، ينبغي توثيقها وشرح أسبابها.
وبدلًا من التعامل مع النقد باعتباره تهديدًا، ينبغي النظر إليه باعتباره فرصة لاكتشاف الخلل وتحسين القرارات.
إن الحكم القائم على هذا المبدأ لا يقاس فقط بما يعلنه من أهداف، بل بقدرته على تفسير قراراته، وإظهار أدلته، والاستجابة للاعتراضات، وتصحيح أخطائه أمام الجمهور.
فالشفافية الحقيقية لا تتمثل في نشر المعلومات فحسب، بل في تنظيم العمل العام بطريقة تجعل المعلومات مفيدة، والقرارات مفهومة، والمشاركة مؤثرة، والمساءلة ممكنة.
البرنامج: ثلاثة التزامات قابلة للقياس
- ١. دفتر قرارات عمومي في ١٠٠ يوم. كل وزارة تنشر قراراتها بالمشكلة والخيارات والكلفة والمسؤول والأجل وطريقة التحقق. ١٠٠ بالمائة من القرارات فوق ٥٠٠ ألف درهم تحمل مذكرة عمومية خلال ٧ أيام.
- ٢. مسودات مفتوحة قبل التصويت النهائي. لا يصل قانون إلى التصويت النهائي دون مسودة عمومية ٢١ يومًا وملخص بلغة واضحة وسجل ردود. ٩٠ بالمائة تحقق القاعدة في السنة الأولى و١٠٠ بالمائة في الثانية.
- ٣. ساعة تدقيق للمواطنين كل شهر. كل إدارة تعقد جلسة عمومية شهرية يجيب فيها المسؤولون عن أكثر عشرة أسئلة تصويتًا والبيانات على الشاشة. ١٢ جلسة لكل إدارة سنويًا.
الخلاصة
«التفكير إلى جانب المواطنين» هو منهج في الحكم يجعل عملية صنع القرار أكثر انفتاحًا، ويعامل الجمهور بوصفه طرفًا قادرًا على الفهم والفحص والمساهمة، لا مجرد جمهور ينتظر الإعلان عن النتائج.
ويستند هذا المنهج إلى ثلاثة التزامات مترابطة:
وتكتمل هذه الالتزامات عندما تصبح المشاركة العامة قابلة للتتبّع، ويعرف أصحاب الآراء كيف جرى التعامل مع مقترحاتهم، ولماذا قُبلت أو رُفضت أو أُجّلت.
فالهدف ليس بناء صورة سياسية أكثر إقناعًا، بل بناء طريقة عمل أكثر قابلية للفحص والمراجعة والمساءلة.
- النشر قبل الحسم: إتاحة المسودات والبيانات والآراء المخالفة قبل اعتماد القرارات.
- الوضوح عند اتخاذ القرار: شرح المشكلات والخيارات والتكاليف بلغة مباشرة ومفهومة.
- التصحيح أمام الجميع: الاعتراف بالأخطاء وتوثيق التصحيحات وإظهارها بوضوح.