المبدأ الأساسي: إمّا أن يعمل النظام، وإمّا ألّا يعمل
كل نظام إمّا أن يؤدي وظيفته وفق المعايير المحددة، وإمّا أن يفشل في ذلك.
وكل وعد يجب أن يكون مرتبطًا برقم واضح، وأجل زمني محدد، ومسؤول معلوم، وبند مالي في الميزانية، واختبار يستطيع المواطن إجراءه بنفسه، حتى في ساعات الذروة.
فالغموض هو المساحة التي تختفي فيها المساءلة.
عندما تكون الالتزامات مبهمة، يصبح من السهل الادعاء بتحقيق الإنجازات دون تقديم دليل ملموس، ومن الصعب على المواطنين تحديد المسؤول عن التأخير أو الإخفاق أو هدر المال العام.
أما عندما تُصاغ الوعود بمعايير دقيقة وقابلة للتحقّق، فإن تقييم النتائج يصبح أكثر موضوعية، وتصبح المسؤولية أكثر وضوحًا.
أولًا: المشكلة — وعود يستحيل إثبات فشلها
لنأخذ وعدًا سياسيًا شائعًا:
«سنعمل على تحسين قطاع الصحة».
قد يبدو هذا الوعد إيجابيًا، لكنه يثير أسئلة أساسية لا يمكن تجاهلها:
- ما الذي سيتحسّن تحديدًا؟ هل يتعلق الأمر بمواعيد الفحص، أم بجودة العلاج، أم بتوفير الأدوية، أم بتجهيز المستشفيات؟
- بأي مقدار؟ هل ستنخفض مدة الانتظار بنسبة محددة؟ وهل سيزداد عدد المراكز الصحية المجهزة؟
- لمن؟ هل يشمل التحسين جميع المواطنين، أم مناطق بعينها، أم فئات محددة؟
- متى؟ ما الموعد النهائي الذي يجب أن تتحقق فيه النتائج؟
- بأي تكلفة؟ ما الميزانية المخصصة؟ وكيف ستُستخدم الأموال؟
- كيف يمكن التحقّق من الإنجاز؟ ما البيانات والاختبارات التي تسمح للمواطنين بالتأكد من تحقق النتائج المعلنة؟
إذا لم تتوفر إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، فإن الوعد يصبح غير قابل للاختبار بصورة موضوعية.
فلا توجد نتيجة محددة يمكن مقارنتها بما أُعلن، ولا موعد يمكن قياس الالتزام به، ولا معيار يسمح بالحكم على النجاح أو الفشل.
وهنا تكمن المفارقة: الوعد الذي لا يمكن إثبات فشله، لا يمكن إثبات نجاحه أيضًا.
فكلما زاد الغموض، اتسعت المسافة بين الخطاب السياسي والنتائج الفعلية، وأصبح من الممكن تقديم أي نتيجة تقريبًا باعتبارها إنجازًا، أو تفسير أي إخفاق على أنه مجرد تأخير مؤقت.
ثانيًا: منطق الأنظمة الجادة — الأرقام تحسم ما تعجز عنه الشعارات
في الأنظمة التقنية الجادة، لا يكفي القول إن الخدمة سريعة أو موثوقة أو قادرة على تحمّل الضغط. يجب تحديد شروط الأداء بدقة، ثم اختبارها وقياس النتائج وفق معايير معلنة.
على سبيل المثال، يمكن تحديد معيار تقني على النحو التالي:
زمن الاستجابة عند المئين التاسع والتسعين (p99) أقل من 40 ميلي ثانية، تحت حمل يبلغ 10,000 طلب في الثانية، مع إجراء القياس على أجهزة الإنتاج الفعلية، والمحافظة على هذا المستوى لمدة ساعة كاملة.
هذا معيار محدد يتضمن:
- مؤشر الأداء: زمن الاستجابة عند المئين التاسع والتسعين (p99).
- الحد المطلوب: أقل من 40 ميلي ثانية.
- مستوى الضغط: 10,000 طلب في الثانية.
- بيئة الاختبار: الأجهزة الفعلية المستخدمة في بيئة الإنتاج.
- مدة الاستمرارية: ساعة كاملة.
ويشير المئين التاسع والتسعون إلى أن 99% من أزمنة الاستجابة تقع عند هذا الحد أو دونه، وفق طريقة القياس المعتمدة.
بهذه الصياغة، يعرف الجميع ما المقصود بتحقيق الهدف، ويمكن اختبار النظام لتحديد ما إذا كان قد استوفى الشروط أم لا.
ولا يعود النجاح مجرد انطباع أو عبارة تسويقية، بل يصبح نتيجة يمكن قياسها ومقارنتها بمعيار محدد سلفًا.
وهذا هو مستوى الدقة الذي ينبغي تطبيقه على الوعود السياسية أيضًا.
فإذا كان من الممكن تحديد أداء نظام تقني بهذه الدقة، فلا ينبغي أن تظل الوعود المتعلقة بالصحة والتعليم والنقل والخدمات العمومية محصورة في عبارات عامة لا تحدد النتائج المطلوبة.
ولا يعني ذلك أن جميع السياسات العامة قابلة للاختزال في رقم واحد، بل يعني ضرورة تحديد مؤشرات مناسبة لكل التزام، مع توضيح حدود القياس والعوامل التي قد تؤثر في النتائج.
ثالثًا: المبدأ — أخضع اللغة لاختبار الضغط
تعني قاعدة «لا للغموض» أن كل التزام عام يجب أن يجتاز اختبارًا يتكوّن من خمسة عناصر أساسية:
1. ما الذي سيتغيّر؟
يجب تحديد النتيجة المطلوبة بدقة، بدل الاكتفاء بعبارات عامة مثل «التطوير» أو «الإصلاح» أو «التحسين».
2. بمقدار كم سيتغيّر؟
يجب تحديد الهدف الكمي أو المعيار الموضوعي الذي يمكن استخدامه لقياس التقدم، بما يتناسب مع طبيعة الالتزام.
3. بحلول متى؟
يجب تحديد أجل زمني واضح، مع بيان المراحل الوسيطة عند الحاجة.
4. بأي تكلفة؟
يجب توضيح الميزانية المخصصة، ومصدر التمويل، والتكاليف ذات الصلة، وفق مستوى التفصيل المناسب لطبيعة المشروع.
5. كيف سيجري التحقّق من النتيجة؟
يجب تحديد طريقة القياس، ومصدر البيانات، وآلية التحقق، والأدلة التي يمكن للجمهور الاطلاع عليها.
لا يجوز ترك أي عنصر من هذه العناصر الخمسة فارغًا.
فالوعد الذي لا يحدد ما سيتغير، أو مقدار التغيير، أو الموعد النهائي، أو التكلفة، أو طريقة التحقق، يظل التزامًا ناقصًا لا يمكن إخضاعه لمساءلة مكتملة.
ويمكن تطبيق هذا الاختبار على مختلف مجالات العمل العام، من جودة الخدمات الصحية إلى تطوير المدارس، ومن إصلاح النقل العمومي إلى رقمنة الإدارة، ومن إنجاز البنية التحتية إلى تحسين سرعة معالجة طلبات المواطنين.
المعيار ليس مدى جاذبية العبارة، بل مدى قدرتها على التحول إلى التزام واضح يمكن قياسه ومراجعته.
رابعًا: الفشل ليس مشكلة في التواصل — بل معلومة يجب نشرها
لا تتوقف هذه المنهجية عند تحديد الأهداف؛ بل تشمل أيضًا كيفية التعامل مع الإخفاق.
فعندما لا يتحقق هدف معلن، لا ينبغي التعامل مع الأمر باعتباره مجرد مشكلة في العلاقات العامة أو في صياغة الرسائل الإعلامية.
عدم بلوغ الهدف هو معلومة يجب توثيقها ونشرها، لا إخفاؤها خلف الخطاب.
وتقترح هذه الأطروحة ثلاثة التزامات واضحة عند تفويت أي هدف:
- نشر الإخفاق خلال سبعة أيام: توثيق الهدف الذي لم يتحقق، وبيان الفارق بين النتيجة الفعلية والنتيجة المستهدفة.
- تحديد السبب: شرح العوامل التي أدت إلى عدم تحقيق الهدف، استنادًا إلى البيانات والأدلة المتاحة.
- تحديد موعد للتصحيح: الإعلان عن الإجراء التصحيحي وتاريخه المحدد، مع بيان كيفية متابعة تنفيذه.
ويتيح هذا النهج للجمهور معرفة ما إذا كان التأخير ناتجًا عن مشكلة تقنية، أو سوء تخطيط، أو نقص في الموارد، أو تغير في الظروف، بدل ترك المجال مفتوحًا للتبريرات غير المحددة.
كما يسمح بتمييز الإخفاق الذي جرى تشخيصه ويجري العمل على معالجته عن الإخفاق الذي يُنكر أو يُترك دون متابعة.
ولا يعني نشر الإخفاق أن كل هدف يجب أن يتحقق مهما كانت الظروف؛ بل يعني أن عدم تحقيقه يجب أن يكون واضحًا، موثقًا، ومصحوبًا بتفسير وخطة قابلة للمتابعة.
سجلّ الالتزامات والإخفاقات هو جوهر الحكم المسؤول
يجب أن يوجد سجل موثق يبيّن الالتزامات المعلنة، والأهداف المحددة، والنتائج الفعلية، والآجال التي لم تُحترم، وأسباب الإخفاق، والإجراءات التصحيحية ومواعيدها.
هذا السجل ليس مجرد أرشيف إداري، بل أداة تسمح بتقييم الأداء العام بمرور الوقت.
ومن خلاله، يمكن للمواطن أن يقارن بين ما وُعد به وما تحقق بالفعل، وأن يحدد الالتزامات المتأخرة، وأن يتابع ما إذا كانت التصحيحات المعلنة قد نُفذت.
إن الحكومة التي توثّق إخفاقاتها، وتكشف أسبابها، وتلتزم بتصحيحها، تمارس شكلًا من الحكم القابل للمساءلة.
خامسًا: الاختبار النهائي — هل يستطيع المواطن التحقّق بنفسه؟
يضع هذا المنهج معيارًا عمليًا واضحًا لتقييم الوعود: هل يستطيع المواطن، باستخدام هاتفه، التحقّق من النتيجة المعلنة، حتى خلال ساعات الذروة؟
يتطلب ذلك توفير معلومات مفهومة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومصادر بيانات مناسبة، وآلية تحقق متاحة للجمهور دون تعقيد غير ضروري.
ولا يكفي نشر رقم دون توضيح مصدره، أو الإعلان عن إنجاز دون تحديد معيار قياسه، أو تقديم نتيجة لا يمكن مقارنتها بخط أساس أو هدف معلن.
كما أن التحقّق لا يعني بالضرورة أن يتمكن كل مواطن من إعادة تنفيذ اختبار تقني متخصص بنفسه؛ بل ينبغي أن تكون الأدلة والنتائج والمنهجية متاحة بطريقة تسمح بفحصها، مباشرة أو بمساعدة أدوات وخبرات مستقلة عند الحاجة.
والغاية هي تقليل الاعتماد على التصريحات المجردة، وجعل تقييم الأداء ممكنًا بناءً على أدلة واضحة.
البرنامج: ثلاثة التزامات قابلة للقياس
- ١. وعود بالحقول الخمسة فقط. كل تعهد يذكر المقياس والأساس والهدف والأجل والميزانية والمسؤول ومجموعة التحقق. ١٠٠ بالمائة من تعهدات السنة الأولى تحمل الحقول السبعة.
- ٢. التحقق في ساعة الذروة. تُقاس الخدمات عندما يحتاجها المواطنون فعلًا — من السابعة إلى العاشرة صباحًا للعيادات والنقل. أزمنة الانتظار الشهرية لأكثر ٢٠ نقطة خدمة ازدحامًا، بالطوابع الزمنية الخام القابلة للتنزيل. المتوسطات وحدها ممنوعة من التقارير.
- ٣. سجل فوات عمومي بالإصلاحات. الأهداف الفائتة تُنشر خلال ٧ أيام بالسبب والميزانية التصحيحية والتاريخ الجديد والمسؤول. صفر مراجعات صامتة وصفر أُسس محذوفة.
الخلاصة: كل وعد يجب أن يصبح التزامًا قابلًا للاختبار
لا تدعو أطروحة «لا للغموض» إلى الإكثار من الأرقام لمجرد إظهار الدقة، بل إلى ربط كل وعد عام بمعايير واضحة تجعل تقييمه ممكنًا.
فالالتزام الحقيقي يحدد ما سيتغير، ومقدار التغيير، والموعد النهائي، والتكلفة، وطريقة التحقق.
وعندما لا يتحقق الهدف، يجب نشر الإخفاق، وتحديد أسبابه، وتوثيق خطة التصحيح وتاريخها.
وبذلك تتحول الوعود من عبارات مفتوحة على تفسيرات لا تنتهي إلى التزامات يمكن تتبّعها ومراجعتها ومساءلة المسؤولين عنها.